شارك

«العيش مع الله»

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «العيش مع الله» يوم الجمعة ٢٩ جمادى الثاني ١٤٤٢هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن تقوى الله هي التي تميّز الناس بعضهم عن بعض، ولذلك ينبهنا الله عز وجل، إلى قانون سنّه بين خلقه وهو قوله {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

والتقوى لا تعني بالضرورة أن يتفاوت الناس في مظاهر حياتهم وطرائق حياتهم في بعدها الشكلي، وإنما أن يتمايز الناس في جوهر أعمالهم، فالتقوى يرتبط جزء منها بظاهر العمل والجزء الأكبر منها بمضامين العمل وملكوت هذا الوجود الإنساني، والله عز وجل، يقول {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} أي على مضمونه وطريقه حياته وإلاّ فإن الناس قد يتساوون إلى درجة التطابق شبه التام من الناحية الشكلية، تتفق ملابسهم، عاداتهم، تقاليدهم.

 لكن، إذا أردنا أن نقيس فلانا عن فلان "أين الثريا وأين الثرى" نسأل الله عز وجل، أن نكون وإياكم أن نكون من المتقين.

والتقوى لا تحصل اعتباطا وإنما لها سبلها ولها أسبابها، كما أن دونها موانع وسدود وحواجز، ما لم يكن الانسان خبيرا بهذا فقد يصيبه العطب والخذل، وقد يكون العطب صغيرا في شكله الظاهري، لكنه شديد الأثر السلبي على مضمون هذا الانسان.

لاحظوا السيارات والمحاصيل والمنتجات الصناعية، قد يتشابه في الشكل، السيارات تتشابه، كتلة من المعدن، فيها عجلات، فيها أدوات القيادة والسياقة، لكن إذا أردت أن تفرّق بين هذه السيارة وتلك السيارة، ستجد البون شاسعا وينعكس ذلك على أدائها، على ثمنها، على تقبل الناس لها، على ارتباط الناس بها، بمحافظتهم عليها.

كذلك الناس، قد نجد فلانا يشبه فلانا، في الظاهر، لكن هذا في عالم وذاك في عالم آخر، هذا من السعداء وذاك من الاشقياء، ماهي الأسباب؟ كثيرة، منها ما سنقدم وإياكم عليه وعلى الدخول إليه وهو شهر رجب.

 شهر رجب محطة من المحطات التي منّ الله عزوجل، بها علينا بأن جعلها محط رحمته، حتى وُصف في الروايات بأنه (رجب الأصب) فالله يصب في هذا الشهر الكريم رحمته على الناس صبا، بأعمال قد تكون بسيطة في نظر بعض الناس، لكنها عظيمة عند الله عز وجل.

لكن هنا يجب أن نلتفت أن هناك من لا يقدّر الأشياء كما يجب أن تُقدّر، فالإنسان إذا آمن بالغيب، نمط حياته ونمط تفكيره يختلف عن ذاك الانسان الذي لا يولي الغيب الاهتمام اللازم، لا على مستوى الايمان والتصديق ولا على مستوى التفاعل والتعامل معه، ومن ثم، فإن الله عز وجل، جعل من صفات المتقين ومن أهمها أنهم {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.

الإيمان بالغيب يعني أن يعتقد الانسان أن وراء هذه الدنيا عالما آخرا، له مسيس الارتباط بحياتك، هذه الدنيا لا تشكل في ميزان الاسلام إلّا مزرعة للآخرة، فبقدر ما تزرع هنا تحصد هناك، وبقدر ما تتخيّر البذرة الجيدة هنا، ستجد أثرها هناك، ولذلك ينبغي للإنسان أن يكون حصيفا وأن يكون حكيما.

فيما رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بالسند كما ينقله "الشيخ المفيد" في "كتاب الأماني" رواية يذكر فيها، قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم (أربع من كن فيه..) هذه الأربع تحدد لنا نمطا يمكن أن نختصره بما جعلناه عنوانا للخطبة "العيش مع الله".

الانسان يجب أن يعيش مع الله، أن تعيش مع الله يعني لا أن تنقطع عن الناس في كهوف ووديان وبعيدا وتترهبن وتعتزل، لا، أنت في صلب حياتك {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} المرأة في منزلها، الرجل في عمله، كل واحد منا، في كل حركاته وسكناته يجب أن يضع نصب عينيه ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى نعيش مع الله وحتى نترجم ما نؤمن به ونعتقده، من القول إلى الفعل والإيمان الفكري والنظري إلى الترجمة العملية.

فيقول صلى الله عليه وآله (أربع من كن فيه كتبه الله من أهل الجنة...) والجنة مطلوب كل طالب، كل الناس من دون استثناء، هم يطلبون الجنة، حتى الذين لا يعتقدون بالأخرة هم يطلبون الجنة، وذلك أنهم صاغوا لأنفسهم جنة يعتقدون أنها متاحة في الأرض، يريدون أن يصلوا إليها، هذا ما نسمّيه نحن بالجنة.

نحن نعتقد أن هذه الجنة التي ينشدها العقلاء، ليست في عالم الدنيا، لأن الدنيا لا تسع الجنة، الدنيا بما فيها من النعيم، ليست إلّا شيئا يسيرا مما أعده الله للناس في {جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ويقول الله عز وجل {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} لأن الناس يفتقدون العلم، يحصرون أنفسهم في هذه الدنيا، لذلك جاء  الأنبياء، من أولهم إلى آخرهم، ليوسعوا من أفق هذا الانسان، حتى لا يتقاتل ولا يتكالب على هذه الدنيا، فإنها بكل ما فيها ومن فيها، لا تستحق أن يخسر الانسان ربه ونفسه من أجل أن ينال مكانة أو منصبا أو جاها أو مالا في الدنيا، الدنيا كلها متاع قليل.

يقول صلى الله عليه وآله (أربع من كن فيه كتبه الله من أهل الجنة...) ما هي الأربع؟ (من كان عصمته شهادة أن لا إله إلّا الله وأني محمد رسول الله...) صلى الله عليه وآله.

هذا هو التمايّز الأول، فالإنسان إذا لم يعتقد بالله خالقا ومولى واحدا أحدا لا شريك له، سيختار طريقا غير من اختار أن يؤمن بالله عز وجل، تحت عنوان هذا الشعار (قولوا لا اله الا الله تفلحوا) وليس المطلوب النطق، النطق كان أمرا ميسورا، حتى على أبي جهل وأبو لهب، لماذا عمل أولئك الأشقياء كل ما يستطيعون من العمل حتى لا يؤمنوا بـ"لا إله إلّا الله" لأنهم كانوا يعرفون أن المطلوب ليس هو أن ينطق بها بلسانه ولا أن يعلن بين الناس أنه "لا إله إلّا الله" ثم يكون حرا أن يفعل ما يشاء، حتى لو كان على خلاف مقولة "لا إله إلّا الله محمد رسول الله".

لا، المطلوب فهمها، إدراكها، التصديق بها ومطابقة الحياة في القول والفعل على وفق هذه الشهادة.

هذا الاعتصام الاول {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}.

ثانيا:

(ومن إذا أنعم الله عليه بنعمة قال الحمد لله...) في هذه الحياة نحن غارقون في نعم الله {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}.

لاحظوا ما الذي حلّ بالناس، بالبشرية كلها خلال هذه السنة؟ ميكروبات بسيطة، فيروس بسيط لا يراه الناس، حتى بالأجهزة المكبرة لا يرونه، أخل بحياة الناس كلهم، حتى بدرك الناس أنهم ضعفاء بين يدي الله عز وجل، وأنهم فقراء الى الله يجب عليهم أن يلجئوا إليه ويعملوا كل ما يستطيعون في ظله توجيهات الله عز وجل، حتى يستدفعوا عنا أنفسهم البلاء والوباء، الذي يمكن أن يكون ليس هذا هو الأول، سبقه وباءآت وهذا وباء وستأتي بالتأكيد بعده أوبئة، نسأل الله عز وجل، أن يجنبنا وإياكم إياها.

فإذن، الانسان إذا منّ الله عز وجل، عليه بنعمة، أي نعمة، نعمة المال، نعمة الصحة، نعمة الجاه، نعمة الشرف، نعمة التقو، نعمه الاستقامة، يجب أن يلهج بالحمد لله، أيضا ليس باللفظ، قد يكون كثير من الناس يكثرون الحمد لله، يعني قول "الحمد لله" لكنهم في سلوكياتهم ليسوا حامدين لله عز وجل، أبدا، وذلك إذا ما خلط الانسان بين العمل الصالح والعمل السيء، وما أكثرهم، نعوذ بالله عز وجل، أن نكون وإياكم منهم.

(ومن إذا أنعم الله عليه بنعمة قال الحمد لله...) الرواية تنبّه إلى أن النعم من الله، كل ما عندكم من النعم -أيها الناس- من الله {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}.

ثالثا:

(ومن إذا أصاب ذنبا قال أستغفر الله...) الناس خطاؤون إلّا من عصمه الله عز وجل، حتى المعصومون، لو كان حالهم مثل حالنا في العلم والعمل لوقعوا فيما نقع فيه، لكن الله عز وجل، أعانهم، بعد أن اختاروا أن يعينهم الله عز وجل، فبنوا مرتبة العصر التي لا يخطئون معها ولا يعصون االله عز وجل، ما أمرهم، بتوفيق منه، هل يمكن لغيرهم أن يصل إلى هذه الحالة؟ {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}

لكن، لو أن الانسان وقع في ذنب، ضعفت نفسه، ضعفت قواه، فوقع في ذنب، صغيرا كان هذا الذنب أو كبيرا، المذنب صغيرا كان أو كبيرا، أي من المكلفين، ما الذي يجب عليه أن يفعله؟ أن يبادر إلى الاستغفار.

والاستغفار هو استشعار الندم على أنه وقع في خطأ ووقع في خطيئة، وأن هذا الخطأ والخطيئة ستعرقل مسيرته التكاملية إلى الله وأنه ما لم يستغفر عنها، فسيبقى في موضعه، لن يستطيع أن يدخل، اليوم، أنت يتعطل عندك "تطبيق توكلنا" لا يسمحون لك أن تدخل الى المجمعات التجارية والمحلات والمساجد والأماكن العامة.

كذلك الجنة، الجنة ليست مباحة ومستباحة لكل شارد ووارد، الجنة لها أهلها، من يستحق الجنة يُفتح له باب الجنة، بل يُزفون اليها زفا، يدخلون زمرا، كما أن النار -نعوذ بالله- يدخل إليها أهلها زمرا، أجارنا الله وإياكم من ذلك.

فإذن، المطلوب الاستغفار الصادق، والاستغفار يعني أن تحمي نفسك، يعني أن تضع كل الحمايات اللازمة، ومن الحمايات اللازمة الآداب الشرعية والتوجيهات الشرعية التي جاءت في شريعة الإسلام، تعيننا على أن نكون من أهل الثبات والاستقامة، الصيام في رجب يعين، الاستغفار في شهر رجب وهو شهر الاستغفار، من أهم المعينات، حتى لو أن الانسان لم يتمكن من الصوم، هناك ذكر معين في مفاتيح الجنان وغيره، الغرض هو أن نعيش مع الله، يعني أن نقوم ونقعد بالله عز وجل، في الصلاة ماذا يؤدبنا الحق سبحانه وتعالى؟ عند القيام نقول "بحول الله وقوته أقوم وأقعد".

تصوروا لو أن إنسانا أدرك معنى هذا الذكر وطبّقه في حياته، هل سيقع في معصية؟

لا، لن يقع، لأنه لا يمكن للإنسان أن يقدم على معصية وهو يعرف أن الحول والقوة من الله وأنه يطلب العون من الله، الله لا يعين على المعاصي، الله سبحانه وتعالى يترك من يريد أن يقع في المعصية، يكله إلى نفسه، والانسان إذا وُكل إلى نفسه سيكون مآله إلى الهلاك، حتى لو كان نبيا، والقرآن يسوف لنا مثالا على ذلك {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ} سنن الحياة حاكمة، على الصغير والكبير، أنت تُجرح، كما أن الانبياء يُجرحون، أنت تموت كما أن الأنبياء يموتون، لو أن الأنبياء تقوّلوا على الله عز وجل، لأخذ منهم بالوتين، قانون الله وسنته صارمة.

فإذن (ومن أصاب ذنبا استغفر الله..) حتى لا نستخف بالذنوب الصغيرة أو الكبيرة، الذنوب تعيق حركتك إلى الله، وإذا أُعيق الانسان عن حركته إلى الله، قد تُفتح له أبواب الدنيا، كل هؤلاء العاصين الذين تجد أن بين أيديهم شيئا كثيرا من نعم الله عز وجل، هؤلاء حالهم مثل حال قارون، أصحاب النظرات القاصرة يقولون "لو كنتم مؤمنين لماذا نجد أن اولئك المستكبرين والعتاة والمردة، سابقا ولاحقا، لماذا هؤلاء نالوا ما لم تنالوه أنتم؟!".

نعم، نالوا امتحانا من الله عز وجل، والمؤمنين لم ينالوا، لأن الله يمتحنهم، وقد يكونوا هم السبب أن لا ينالوا ما ممن الله به على الناس إذا عملوا وفقا للسنن التي اقتضاها الله عز وجل.

يقول صلوات الله عليه (ومن أصاب ذنبا قال أستغفر الله ومن إذا اصابته مصيبة قال إنا لله وإنا إليه راجعون).

الحياة هذه، كما أن فيها نِعَم، فيها نِقَم، فيها مصاعب، فيها مصائب، كيف نتعامل مع المصاعب؟ بعض الناس يتوتر إذا حل به شيء من البلاء والمصاب، مما نختاره أو لا نختاره ولا نرضى هذا ولا ذاك، بعض الناس يخرج من طوره العقلاني والاتزان، وتخرج منه كلمات كفرية - نعوذ بالله- كلمات غير طيبة، المؤمن {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}.

المنقول عن سيدتنا ومولاتنا زينب عليها أفضل الصلاة والسلام، انها وضعت يديها تحت جثمان سيد الشهداء عليه أفضل الصلاة والسلام، قالت " إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضا" لما سألها هذاك الطاغية " كيف رأيت صنع الله بأخيك؟" قالت "ما رأيت إلّا جميلا".

فعل الله عز وجل، يجب أن يُستقبل بالرضا والقبول، نعم، إذا تسببت أنت في الوقوع في الخطأ، فهذا ذنب ارتكبتَه، تستغفروا الله عزوجل، وتصبر على ما امتحنك به سبحانه وتعالى.

كيف للإنسان أن يعيش مع الله سبحانه وتعالى، أو أن يصل إلى هذه الحالة؟ أن يعيش مع الله عز وجل، بالذكر، بالصلاة، بالتعقيبات، بالصيام، بالزيارة، بكل هذه الآداب الشرعية، هذه إنما افتُرضت علينا وندبنا إليها، ليس لأن الله يحتاج الى طاعتنا، هو الغني الحميد سبحانه وتعالى، لكن نحن في أمس الحاجة إلى أن نتصل به من خلال هذه البرامج التي نسأل الله عز وجل، أن نوفق وإياكم إلى فعل القليل منها، لأنها كثيرة نفوق قدراتنا، لكن الله عزوجل، يعين من استعان به.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجةِ بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظا وقائداً وناصرا ودليلاً وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا واغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.