شارك

«العيش مع الله -٢»

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «العيش مع الله -٢» يوم الجمعة ٧ رجب ١٤٤٢هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

قبل الشروع في الخطبة أود أن أتقدم بالشكر الجزيل لجميع الأخوة المصلين على حسن تعاونهم مع القائمين على حماية المصلين من الجائحة والتزامهم بالإجراءات الاحترازية التي نأمل من الجميع إن شاء الله، مواصلة واستمرار المحافظة عليها في جميع حركاتهم وتقلباتهم، سائلين الله عز وجل، أن يمن على الجميع إن شاء الله بالسلامة والعافية، وإذا حصل بعض التضييق، كما يشعر البعض، نرجو سعة الصدر في تحمّل هذه الإجراءات.

لا نزال نتحدث فيما جاء في "سورة الأنعام" وبلغ بنا الحديث إلى قول الله عز وجل {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

أشرنا في خطب متعددة أن تعاليم الاسلام لا تقبل ولا تتحمل ولا تحتمل التجزئة والابتسار وإنما هي حزمة يرتبط بعضها ببعض والله عز وجل، حينما يريد منا أن نستسلم له لا يقصر طلبه هذا على ان نستسلم له في جانب دون آخر وإلّا فسيكون إسلامنا سلاما مشوّهاً وإيماننا إيمان منقوصا، المفروض على الانسان المؤمن والمسلم لأن يستوعب الإسلام من الناحية النظرية ويسعى مستعينا بالله عز وجل، في تطبيق هذه التعاليم والتوجيهات والأحكام والقيم في جميع سكناته وحركاته، في سره وفي علنه، في صخته وفي مرضه، في غناه وفي فقره، في حالاته الخاصة وحالاته العامة، فإن الله عز وجل، يقول {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ويقول الله عزوجل {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} فاذا علمنا بأن الله عز وجل، صادق في وعده لا يخلف الميعاد، فلنبحث عن الخلل في التزام الناس بالإسلام والايمان، وإلّا فإن الله عز وجل، كتب على نفسه أن ينصر المؤمنين {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}.

فإذا وجدنا خلالا، هزيمة حصلت، كالذي حصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل حتى في حياته المباركة، لما خالف المسلمون في "يوم أحد" في "معركة أحد" أمر الرسول رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمره أمر الله، حصلت تلك الهزيمة التي فُقد فيها أجلّة من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي طليعتهم سيد الشهداء "الحمزة بن عبد المطلب".

وبالتالي، إذا أردنا من الله عز وجل، أن يحقق لنا نتيجة، فلنعمل وفقا للأوامر والسنن التي بيّنها الله عز وجل، لنا.

لاحظوا الآية بماذا ختمت، قال عز وجل {ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الحق سبحانه وتعالى ما خلق الانسان، الفرد والجماعة في عالم الأرض من أجل أن يجني من ورائهم نفعا، فـ{هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} وإنما من أجل أن ينتفع الناس أنفسهم، ولكي ينتفع الناس عليهم أن يستقيموا على الصراط المستقيم ويثبتوا عليه، وهذا يتوقف على التعقّل، وقد مر في الآية السابقة، ويتوقف على التذكّر، فإن الانسان كما أن له جسد، له عقل وله روح، عقلك يجب أن يستقيم، كما أن بدنك قد تصيبه العلة، عقلك قد تصيبه العلة، روحك قد تصيبها العلة.

 

كيف يحافظ الانسان على روحه تقية نقية، حتى ينال ما جاء في قول الله عز وجل {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} كيف؟

يقول {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(*) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}

هذا القلب إذا أردنا من قلب الانسان أن يكون قلبا يقظا، قلبا حيا، قلبا مستقيما وإنسانيا حقا، فلنعمل بهذه الحزمة التي جاءت في القرآن الكريم والسنة المطهرة والتي عقّب الله عز وجل، عليها وبيّن لنا فلسفة هذه الأحكام التي أمرنا بها، قال {ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} والتذكّر يعني الاعتبار، يعني الاتعاظ.

كيف تحصل الموعظة؟ أشكال وأسباب متعددة تحقق للإنسان التذكّر، منها أن يجلس الانسان في مجلس وعظ، ومنها ومن أهمها هي الالتزام العملي، يعني حينما يُلزم الانسان نفسه أن يصلي لأن الله أمر، أن يصوم لأن الله أمر، أن يكف عن الكذب لأن الله أمر، أن لا يأكل مال اليتيم لأن الله أمر وأن يلتزم بكل ما ألزمه الله به وأن يتجنب عن كل ما نهاه الله عز وجل، عنه، مستحضرا أن أمر الله واجب التنفيذ وأن نهي الله واجب الالتزام، بهذه الطريقة يحصل له اتعاظ عملي، فيأخذ بالانتقال من مرتبة إلى مرتبة أعلى.

أول هذه الأمر التي جاءت في هذه الآية، بعد أن تقدم بعض الآيات، قال {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

اليتيم يطلق على معاني متعددة، منها أن يفقد الانسان -اليتيم- هو من كان دون سن البلوغ والتكليف، الكبير لو توفي والداه أو أحد والديه لا يقال له يتيم، إلّا بنحو من التوسّع والتجوّز، أما الاطلاق الشرعي فهذا خاص بمن كان دون سن التكليف، ذكرا كان أو أنثى.

إذا توفيت الأم يقال "يتيم الأم" إذا توفى الأبوان، يقال " يتيم الأبوين" وإذا قيل "يتيم" بنحو الاطلاق، في الدرجة الأولى يُعنى به من توفي أبوه، لأن الأب هو الذي يتولى أمره، ومن المنطقي أن الانسان إذا كان له أب عاقل، لو كان عند هذا الولد شيء من المال، من الذي يتكفل به وله الصلاحية الشرعية والقانونية؟ أبوه، الأجانب، الآخرون ليس لهم أن يتدخلوا، والعادة أن لا يتدخلوا، إلّا في حالات الظلم والجور، أما في الوضع الطبيعي، فإن الأب هو الذي يتكفل، فإذا توفي الأب، صار هذا الولد هذا الولد أو هذه البنت صارا "يتيمين".

هل يترك هذا اليتيم وشأنه ولا يتدخل أحد في إدارة ماله؟

لا، اليتيم، كما قلنا هو من كان دون سن التكليف والعادة أن مثل هذا الانسان -إلّا من عصم الله عز وجل، وهم استثناءات- الغالب أنهم عاجزون عن إدارة شؤونهم المالية، يحتاجون إلى قيّم، يحتاجون إلى وصي.

فإذا توفى الأب، تنتقل الولاية، حسب ترتيب مذكور في الفقه، إلى آخرين، الفقيه أو الجد أو غير ذلك من التصنيفات المذكورة في الفقه.

لكن، هذا الذي دخل على الخط وصار وليا لليتيم، هل هو مطلق الصلاحية ليتصرف في مال اليتيم؟

الآية يتحدد لنا إطارا فقهيا، قانونيا، أخلاقيا، وأنه لا يجوز أن نقترب من مال اليتيم، يعني نتصرف فيه -قليلا أو كثيرا- إلّا على النحو الذي يكون مرضيا عند الله عز وجل، وهو المسمى {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

 فينفق هذا الولي – ولي اليتيم- ينفق من مال اليتيم على اليتيم فقط، في حدود ما يراه مصلحة له ويُراعى فيه غبطته، دون ذلك لا يجوز، هل يجوز أن يأكل هو؟

لا، لا يجوز له أن يأكل، إلّا في حالات نادرة، خُصصت شرعا، كما إذا كان الولي فقيرا، وبالتالي اشتغاله بإدارة أموال اليتيم تستدعي أن ينفق شيئا من الجهد وله حق مقابل مثل ما لو أردنا أو أراد أحد أن يتجّر بماله شخص آخر، سيعطيه نسبة معينة، يتفق عليها.

هذا الذي يكون بالمعروف، إن احتاج إليه الولي -على تفصيل يذكره الفقهاء، لسنا بصدد بيانه - في هذا المقدار له حدود شرعية، بيّنها الفقهاء، يدخل هذا تحت عنوان {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

قال {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} لعل أحداً يسأل، يقول: مال غير اليتيم يجوز لنا أن نقترب منه بالتي هي أحسن أو غير بالتي هي أحسن؟

قال: لا، الآية في صدد ما كان شائعا في أوساط مجتمع كانت القيم فيه لا تُراعى، وبالتالي، كان هناك مسيس حاجة الى أن يذكر هذا اليتيم.

أولا - بأن يثبّت بأن ماله له، لا يحق لأحد أن يصادره بغير حق.

 ثانيا – لو أُريد التصرف في مال هذا اليتيم، يجب أن يكون التصرف بالتي هي أحسن.

لأن في ذلك المجتمع - ذاك الذي نزل النص القرآني معاصرا له - ما كانوا يراعون حق الأيتام وما كانوا يراعون حق النساء، فجاء القرآن الكريم يبيّن أن للنساء حقوقا يجب أن تُراعى وللأيتام حقوقا يجب أن تُراعى، أما غيرهم، العادة أن غيرهم قوي يستطيع أن يأخذ حقه بنفسه.

لكن لو كان هناك شخص آخر يشابه حاله حال اليتيم، كان الحكم مثل الحكم، مثل السفيه، القرآن ماذا يقول؟

{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} السفيه هو القاصر الذي لا يحسن التصرف في المال، حتى لو كان المال مالا شخصيا له، لا يمكّن، وإنما يُحجر عليه، يعني يُحاط هذا المال بالحماية، لا يُسمح لأحد أن يتصرف فيه، حتى هذا السفيه، إلّا بإذن الحاكم الشرعي الذي له الولاية، بعد أن تجتمع فيه شروط الولاية العادلة.

وهذا الذي جاءت الآية بصدده، وهذا لا يعني أن النساء يجوز أن نقترب من أموالهن، كما أن بعض الأزواج - نعوذ بالله - قد يجور على زوجته، بظنه أن زوجيته لها يعطيه الحق في أن يصادر أو يأخذ شيئا من مالها ويتحكم في مالها..!

لا يجوز، المرأة لها حق محفوظ، اليتيم له حق محفوظ، الصغير -وليس بالضرورة يتيم- يعني قد يكون هذا الصغير ورث شيئا من المال أو وُهب له شيء من المال، لا يجوز لأبيه أن يتصرف في ماله إلّا بالتي هي أحسن وهي أن يُنفق على صاحب المال حصرا، للنيابة ان يتصرف في مآلهما هي النفقة هذا المال على صاحب المال حصرا.

 

فقال {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} والفقهاء فصّلوا، كيف يبلغ أشده، هل مربوط بالسن؟ لا، الآية الأخرى تقول إذا {آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا} يعني القدرة على أن يدير ماله بالطريقة التي يرجع فيها بالنفع إليه، دون أن يلحق الضرر، والمسألة تتفاوت، ذو المال الصغير قد يملك رشدا في حدود مال قليل، أما إذا كان المال كثيرا، لا يقال أنه بلغ الرشد، حتى يعطي هذا المال.

يعني مثلا، اليتيم بعد أن يبلغ، إذا طالب بألف(١٠٠٠) ريال من ماله، قد نعطيه الألف (١٠٠٠) لكن لو ورث من أبيه مليون (١٠٠٠٠٠٠)، مليون (١٠٠٠٠٠٠) وعمره للتو تجاوز خمسة عشر (١٥) عاما، هل يحسن إدارة مليون (١٠٠٠٠٠٠)  ريال؟

هذا يحتاج امتحانا، إذا {آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا}.

إذا كان يملك القدرة الذهنية والنفسية والإدارية والاجتماعية، على أن يسلم له هذا المال ويُحسن إدارته، يُسلّم إليه، وإلّا يبقى الحجر مستمرا الى أن يصل الى السن القانوني والعقلانية والكفاية التامة.

 ثم تقول الآية، لأن القرآن الكريم -كما قلنا- لا يغطي في تشريعاته مساحة ويهمل مساحة، وإنما يغطي كل المساحات التي يحتاج أبنائنا وبناتنا أن يتفقهوا فيها، حتى لا يسارعن أحد ليسجل إشكالا على حكم شرعي ويغفل عن أن هذا الحكم الشرعي يرتبط بأحكام شرعية أخرى، إذا أردنا أن نقرا حكما شرعيا، يجب أن نقراه في هذا السياق. مثل أي تخصص من التخصصات، لعلك لو نظرت إلى هذه الجزئية لوحدها، قد لا تجد أنها متناغمة مع ما يجب فعله، لكن لو وضعناها في سياقها العام، سنجد أنها تتناغم بشكل سليم، مثل لو أن أحداً أراد أن يقول: لماذا تمنعوا الناس أن يجتمعوا في تجمعات عامة؟ لو أن أحدا غض الطرف على الجائحة التي شاعت بين الناس سيكون هذا التصرف تصرفا جائرا.

لكن حينما نقرأ الظروف ونجد أن هناك حاجة من أجل الحفاظ على حياة الناس وسلامتهم، أن يمنع من التصرف الفلاني أو يُمنع من التصرف الفلاني، السلطات القانونية، الشرعية المعترف بها، العادلة، من حقها أن تقوم وتأخذ هذه التصرفات، حفاظا على مصالح الناس، لأن هذا من أهم التكاليف التي يقومون بها ويُلزمون أن يراعوها.

فالآية تضيف، تقول {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} لاحظوا في الحكم الأول بيّن لنا كيف نتعامل مع مال اليتيم، الآن هذا تعامل مع مال اليتيم؟

لا، في التجارة العادية، لو أردنا أن نبيع ونشتري، نكيل، يعني يعطينا عدد من الكيلوغرامات زيادة قليلة أو كثيرة، أو يوزن وزنا، جرامات معينة، ما يُكال أو يُوزن، قد لا ينصف الناس بعضهم بعضا فيه، فلا يعطي البائعُ المشتري كامل حقه، بأن يُنقص شيئا منه، القرآن يهدد يقول {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} هذه الآية تقول {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} يعني اعطي كل ذي حق حقه، إذا اشترى منك تعطيه كيلو، اشترى منك لترا، تعطيه لترا، لا تبخس شيئا من حقه، فإن هذا خلاف العدالة، خلاف الإيمان، خلاف الإسلام.

فيقول {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} بالعدل، بالإنصاف، يعني لا نتلاعب أو نهمل الميزان، الأداة التي نزن بها هذا الكيل والوزن، حتى يلحق الضرر بالمشتري والزبون والمستهلك، دون أن يشعر أو نكون نحن مقصرين في هذا، هذا ليس من حق أحد أن يمارسه.

ثم يقول عز وجل، يبيّن، لعل أحدا يتصور أننا، لكي نوفي الكيل والميزان، المسألة عسيرة، لأن الموازين، يعني أحيانا أنت تظن أن هذا الميزان العادي، تزن كيلو فيظهر لك أنه كيلو، ثم إذا جئت بميزان أدق، والسلع تتفاوت، نجد أن ذاك الميزان الأدق بيّن أن هناك نقصا في مقدار الكيل والميزان، قال لا، المطلوب هو ما يقبله الناس وما هو متعارف، لكن، هل هذا مقدور للناس؟ نعم، مقدور للناس.

قال {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وقد ورد هذا التعبير وأشباهه في غير موضع في القرآن الكريم، من أجل أن يخفف هذا الشعور الذي قد يجده بعض الناس من الاستيحاش، يقول: الشريعة، كلها محرمات؟!

لا، كن منصفا واحكم على الشريعة كما جاء في نصوص الشريعة، لو أردنا أن نزن، أو نقيس على مستوى التعداد، المحرمات عن المحللات، ستكون نسبة ما حرمه الله عز وجل، ضئيلة ومتواضعة جدا في مقابل ما أحله الله عز وجل، لكن لأن هذا الانسان يريد أن يرتكب هذا الحرام المعيّن الذي تعلقت نفسه به ووسوس الشيطان إليه ليرتكبه، قال كل شيء حرام...!

لا، من قال لك أن كل شيء حرام؟

أنت تأكل حلالا، تلبس حلالا، تمارس الشيء الفلاني حلالا، لكن، قيل لك: هذا الشيء الفلاني، الزنا محرّم، الخمر محرّم، السرقة محرّمة، عدد من الممارسات وصفها الشارع المقدس بأنها محرّمة، هل هذا يفوق قدرتك؟

بعضهم قال لفلان ألا تسمع الأغاني؟ قال: لا، أنا أعتقد أنها محرّمة.

قال: كيف تعيش من دون أغاني؟! قال له: أنا أعيش من دون أغاني، أنا الماثل بين يديك، أعيش حياتي، حياة طبيعية سعيدة ولا أشعر بأني بحاجه الى الغناء لكن ذلك الانسان لما ألفت نفسه الاستماع لهذا الشيء المحرم، لقّنه الشيطان وأقنعه بأن الانسان لا يمكن أن يكون سعيدا إلّا أن يمارس هذا ويمارس ذاك، مما جاء في شريعة الاسلام على أنه أمر محرم.

فلآية تقول {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا..} أي نفس {إِلَّا وُسْعَهَا} ثم يضيف حكما ثالثا {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} ما حددت الآية الشريفة، مثل المقطع السابق، قال {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} أي مال؟ أي مال، من دون استثناء، ثم قال {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} أي مكيل وأي موزون؟ كل مكيل وكل موزون، يجب أن يُعطى صاحب الحق حقه كاملا.

وكذلك هنا {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} في الغضب يجب أن تكون عادلا، في الرضا يجب أن تكون عادلا، مع الزوجة يجب أن تكون عادلا، مع الزوج يجب أن تكوني عادلة، مع القريب، مع البعيد، مع الصديق، مع العدو، في كل حالاتك ليس لك أن تقول شيئا بالباطل، لأن القول بالباطل خلاف العدل، تنسب شيئا إلى أحد من الناس لم يرتكبه، فعلا لم يمارسه، فتكون ظالما له، حيا كان أو ميتا، قريبا منك أو بعيدا عنك، صديقا لك أو عدوا لك، كل هذا لا يجوز.

فيقول {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} يعني قرابتك، والانسان عادة ما يحن الرحم إلى رحمه، القريب الى قريبه، هل هذا مسوغ؟ لو أنك في مقام الشهادة، أن تشهد لرحمك بالباطن، حتى يكون الحق له على حساب خصمه الذي هو ليس من أقاربك؟

القرآن يقول: لا {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} طبعا في مقام الشهادة في القضاء، الأمر كبير، ستكون شهادة زور، لو أن أحدا شهد لأحد بالباطل، لأنه من أرحامه أو من أصدقائه. فقال {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} عهد الله عنوان عام، كل مواثيق الله عز وجل، هي عهد، النذر عهد، اليمين عهد، إسلامك عهد، إيمانك عهد، ميثاق الله عزوجل، لك عهد، فطرة الله التي ركبها الله فيك عهد، لا يجوز للإنسان أن يخالف فطرة الله عزوجل، التي فطره الله عليها.

ولذلك، المطلوب أن نرجع الى الله كما جئنا من عند الله، الطفل يخرج من بطن أمه طاهرا، نقيا، يجب عليّ وعليك أن نخرج من الدنيا طاهرين أنقياء، ولن نتمكن أن نفعل ذلك إلّا بالاستظلال بما جاء في شريعة الاسلام هذه.

 ثم يختم الله عزوجل، هذا، يقول {ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تريدون أن تتذكروا، تتعظوا، حتى تستحقوا وعود الله التي لا يُخلف الله عز وجل، وعده فيها؟

اعملوا بما أمركم به وانتهوا عما نهاكم عنه، حين ذاك، من حقكم أن تطالبوا بوعد الله عز وجل، حيث يقول {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} ويقول عز وجل {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} وما ذكرناه في الاسبوع الماضي من أن هذا هو ما نريده بعنوان "العيش مع الله" وهذا "العيش مع الله" ليس في ليلة الجمعة ويوم الجمعة وشهر رجب وشهر رمضان، لا، لا، تصبح تعيش مع الله، تمسي تعيش مع الله، بين صباحك ومساءك انت مع الله {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} وهذا يحتاج الى ارتياض، يحتاج الى تدريب، يحتاج إلى توسل واستعانة والله عزوجل {اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.

نسأل الله عز وجل، أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجةِ بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظا وقائداً وناصرا ودليلاً وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا واغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.