شارك

«العيش مع الله -٣»

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «العيش مع الله -٣» يوم الجمعة ١٤ رجب ١٤٤٢هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

نعيش وإياكم ذكرى عزيزة على قلوب المؤمنين والمتقين هي ذكرى مولد أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، وليد الكعبة والشهيد في بيت الله، الهادي الى الصراط المستقيم والمعلم للعيش مع الله عز وجل.

تقدم منا بعض الحديث أن الله سبحانه وتعالى، إنما بعث الأنبياء من أجل أن يهدوا الناس إلى الصراط المستقيم، هداية علمية وعملية، بالعلمية يبين لهم الخطأ من الصواب وبالعملية بين لهم كيفية الثبات على الصراط المستقيم وكيفية تطبيق هذا المنهج.

نقف بمناسبة هذه الذكرى عند وثيقة من الوثائق في هذا الباب من كلام أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، بيّن فيها كيف أن علينا، نحن جميعا، كمن سبقنا ومن سيأتي بعدنا، أن نعتبر من التاريخ وأن نعتبر من حال الأمم ومن حال الأفراد.

ولذلك، فإن الانسان البصير والباحث عن مصلحة نفسه الحقيقية لا يكون متبلد الحس فيما يشاهد ويقرأه ويسمعه مما نعاصره أو مما سبق، من أجل أن يحسن التخطيط للمستقبل القريب والبعيد، على حد سواء.

والاعتبار يعني أن نقرأ التاريخ لا كرواية وقصة نتسلى بها ونلهو، وإنما من أجل أن نتعلم منه الدروس التي تختصر أو تعيدنا على اختصار الطريق، فلا نكرر الأخطاء التي وقع فيها السابقون ونحرص على التمسك بالإيجابيات والحسنات التي توصلوا اليها.

فمثلا، أمير المؤمنين عليه السلام، في هذا المقطع يخاطب الذين كانوا تحت منبره الشريف ويضرب لهم نموذجا بشريا، كان يفترض بهذا النموذج البشري، وهم أولاد "إسماعيل" و"إسحاق" كان لهم من الرقي والسمو الحضاري والمدني مثل ما كان لغيرهم من الأمم التي جاورتهم والتي سبقتهم زمنا، غير أن واقعهم كان شديد البؤس، والسبب هو أنهم لم السير على الصراط المستقيم ولم يأخذوا بحجزة الحق، فاستولت عليهم الأمم، فصاروا أمة مستضعفة، في حين أن الله عز وجل، لما بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وسنقف إن شاء الله على بعض ما رُوي عن أمير المؤمنين في بيان وجوه أسباب البعثة والحكم التي تترتب عليها.

لما بعث الله عز وجل، النبي محمداً صلى الله عليه وآله، كيف نقل الذين أسلموا لله عز وجل، وصدقوا به نبيا من عند الله، نقلهم من حال الى حال، فبدل أن يكونوا متقوقعين في تلك البقعة الجغرافية والبيئة الجغرافية التي لا يتمنى الانسان أن يعيش فيها، دون أن يعان على سبل العيش الكريم، إلى آفاق أرحب.

فيقول عليه أفضل الصلاة والسلام، في الخطبة الثانية والتسعين بعد المئة (١٩٢) من كتاب "نهج البلاغة" وأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، الذي نحرص وإياكم على الاحتفال بذكرى ميلاده ذكرى شهادته ونكرر ذكره، إنما نفعل ذلك من أجل أن نتعلم منه تعلم التلميذ من الأستاذ، ومن أجل أن نتلقى منه دروس التربية التي لا نستغني عنها إن أردنا أن يحسن حالنا في الدنيا والآخرة.

فيقول عليه أفضل الصلاة والسلام في ضمن هذه الخطبة (فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عليهم السلام، فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الاَحْوَالِ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الاَمْثَالِ....).

الأمم تحكمها سنن، وهذا ما يسمّونه "فلسفه التاريخ" السنن التاريخية تحكم الماضين والمعاصرين والآتين، تحكم الأمم القوية والأمم الضعيفة، تحكم الفرد وتحكم المجتمع. (.....فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الاَحْوَالِ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الاَمْثَالِ، تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ.....)

كانوا أمما ممزقة، تحكمهم العشائرية والقبلية والقبائلية والمناطقية، والله عز وجل، يقول {وَلَا تَنَازَعُوا} والتنازع والتفرق يؤدي إلى تشتت القوى التي لو اجتمعت لنال المجتمعون الخيرات التي لا يتيسر لهم أن ينالوها أفرادا.

يقول عليه السلام (....تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ....) يذكر مظاهر، كيف كان حالهم أيام التشتت:

أولا - (....لَيَالِيَ كَانَتِ الاَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ....).

هؤلاء - يعني العرب - الذين يعيشون في هذه البيئة والذين يجتمعون مع العرب في أنهم أبناء "إبراهيم" أبناء "إسماعيل" أبناء "إسحاق" هذه "إبراهيم" في هذه المنطقة، كان الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم، مع المفروض أن يكون الذين يتناسلون من هذا النسل الشريف، يتوفر لديهم كل أسباب العزة والقوة، لكن لما تنازعوا في ما بينهم وتفرقوا، تيسر لغيرهم أن بنال منهم ما لم بكن يتيسر له فعله، لو أن هؤلاء كانوا مجتمعين.

وذلك، يمن الله عز وجل، على النبي وعلى الناس، يقول {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} من الذي ألف بينهم؟ الله سبحانه وتعالى {ٰكلِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}.

ثانيا - المظهر الثاني، يعني لما صار الأكاسرة والقياصرة، وهما الامبراطوريتان اللتان كانتا حاكمتين على العرب، حين نزول النص، المظهر الثاني – (.....يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الاْفَاقِ....).

الشام كان فيه شيء من الريف، العراق كان فيه في شيء من الريف، وكان هاتان المنطقتان بدل أن يكونا ريفا لأبناء هؤلاء السلالة الطيبة، استولى عليها الأكاسرة والقياصرة فاضطر أبناء "إسماعيل" وأبناء "إسحاق" وأبناء بني اسرائيل أن يذهبوا إلى جزيرة العرب، حيث الصحاري والفيافي والقفار، ما كان هناك أي أسباب للمعيشة الكريمة (...يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الاْفَاقِ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ، وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا، إِلَى مَنَابِتِ الشِّيحِ...) نبتة برية (... وَمَهَافِي الرِّيحِ، وَنَكَدِ الْمَعَاشِ....).

 

المظهر الثالث ـ (.....فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ ذَبَرٍ وَوَبَر.....).

هذا الذي يترك الصراط المستقيم، ظنا منه أن التخلي عن العيش مع الله عز وجل، يجلب له دنيا، فضلا عن الأخرة، وإذا بالذين لا يعيشون مع الله عز وجل، ولا يهتدون الصراط المستقيم، إذا بهم يفرطون في الدنيا، ويفرطون بطبيعة الحال في الآخرة.

 قال (....فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ ذَبَرٍ وَوَبَر).

 

مظهر آخر- (..... أَذَلَّ الاُمَمِ داراً....) بعد (..... وَأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً....) أيضا هذا مظهر آخر، بعد(...... لاَ يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا...) كل شخص منهم أمة لوحده، كل قبيلة لها شعارها.

طبعا العناوين قد تختلف، يمكن في السابق كان عناوين قبلية وعشائرية، في أعصر لاحقة تأخذ عناوين مذهبية أو أي عناوين من العناوين التي تجعل الناس في حالة من الشقاق والتنازع فيما بينهم.

(.... وَلاَ إِلَى ظِلِّ أُلْفَة يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا.....)

ما الذي ترتب على هذه المظاهر السيئة؟ عدد من الثمرات السيئة.

قال (..... فَالاَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَالاَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ، فِي بَلاَءِ أَزْل، وأَطْبَاقِ جَهْل ....).

ثم يذكر مظاهر لهذه الثمرات، أيضا قد تتغير العناوين، لكن لو تأملت في حال المعاصرين، قد تكون شبيهة بحال الماضين، والحل هو الحل، لأننا لا نتكلم عن أمراض طارئة، وإنما عن أمراض كانت موجودة، وقد تتكرر في أمة أخرى وفي أزمنة لاحقة.

قال (.... وأَطْبَاقِ جَهْل، مِنْ....)  يذكر أيضا عليه أفضل الصلاة والسلام، أربع عناوين تعبر عن هذا التفرق وهذا التمزق وهذا الضعف الناشئ عن بعد العيش عن الله عزوجل، والحيد على الصراط المستقيم.

قال (....مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَة....)

تصوروا أن الله عز وجل، والانسان كيف يتمنى لو أن الله يرزقه الذرية، يرزقه الولد، يرزقه البنت وهذا رحمة وهذه نعمة، لكن يأتي هؤلاء يأدون بناتهم..!.

وأد البنات في السابق قد يكون أن يُحفر لها حفيرة وترمى فيها البنت، خشية لحوق العار بسبب ما يمكن أن تقع فيه هذه البنت من فعل القبيح أو سبعي آخرين لها، فيتصور أنها ستكون سببا لعاره، ثم إنها لا تستطيع أن تقاتل دفاعا عن القبيلة ودفاعا عن المنطقة وبالتالي، حملها - في نظر هؤلاء المتخلفين- كان ثقيلا، فالحل عندهم نتيجة ضعف الهداية العلمية والعملية عندهم، أن يأدوا بناتهم.

 لكن قد يأخذ عنوان وأد البنات عنوانا آخرا، ليس بالضرورة كذلك، في الوقت الذي لا تستغني فيه البشرية عن المرأة والبنت الصالحة، حينما تُحوّل البنت والمرأة إلى سلعة يُتاجر بها ويتّجر بها، هذا شكل من أشكال وأد البنات، لأن المفترض أن الولد والبنت نعمة ورحمة من الله سبحانه وتعالى، يكونان وسيلة لنقل الحضارة البشرية، من السابقين إلى اللاحقين، فإذا حوّلناها إلى سلعة، سلعة شهوة وسلعة تجارة وسلعة إعلانات، وألعوبة، هذا شكل من أشكال الوأد، صحيح أنه ليس تحت الأرض، لكن مثل ما يمكن أن يكون بعنوان ما، تحت الأرض، قد يكون فوق الأرض.

ألم يرد عنه صلوات الله وسلامه عليه يقول (العلماء باقون العلماء ما بقي الدهر) في حين أن غير العلماء، هم صحيح أنهم يعيشون أحياء، من حيث المأكل والمشرب، لكن حياتهم لا بركة فيها، لا قيمة لها، هذا نوع من أنواع الموت.

فيقول (....مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَة، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَة....) ولا يأد البنات إلا المتخلفون ولا يعبد الأصنام إلا المتخلفون، بعد (.....وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَة.....) ولا يتعمد فعل ذلك إلا المتخلفون عن هداية الله عز وجل، وعن صراطه المستقيم، علما وعملا.

ثم يقول (.....وَغَارَاتٍ مَشْنُونَة.....)

بدل أن تكون القوة الموجود عند هذا الفريق وذاك الفريق توجّه إلى دفع المخاطر الخارجية، تتحول هذه القوة إلى رماح يطعن بعضهم بعضا، فبدل أن تتحول هذه القوة إلى سبب من أسباب جلب الخير، وإذا بها تتحول إلى سكاكين في ظهور أبناء الأمة وصدور أبناء الأمة، فصبحون غثاءا كغثاء السيل، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقول (تكاثروا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم).

لكن، حينما تكون هذه الكثر مفرغة من المضمون، خالية من العلم والعمل، لا تهتدي إلى صراط مستقيم، يصبحون مأكلة، يصبحون ملعبا، يتلاعب به أهل الشرق وأهل الغرب.

نسأل الله عز وجل، أن نكون وإياكم ممن يحسن الإئتمام برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبـ"علي"عليهما أفضل الصلاة والسلام، الذي قال (من كنت مولاه فعلي مولاه) التأسي بـ"علي" في علمه، هو التأسي برسول الله والسير على خطى "علي" صلوات الله وسلامه عليه، هو سير على خطى رسول الله، والسير على خطى رسول الله هو ثبات على المستقيم، جعلنا الله وإياكم من أهل ذلك.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجةِ بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظا وقائداً وناصرا ودليلاً وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا واغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.