شارك

«العيش مع الله -٤»

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «العيش مع الله -٤» يوم الجمعة ٢١ رجب ١٤٤٢هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

نستقبل في الاسبوع القادم ذكريين، ذكرى شهادة مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه أفضل الصلاة والسلام، وذكرى مبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والذي ختم الله به النبيين والمرسلين.

وهذان الحدثان يرتبطان بمعنى النبوة من جهة والإمامة من جهة أخرى ولما حصل الاختلال في فهم النبوة والإمامة، حصل الكثير من العبث السلوكي في أوساط هذه الأمه، حتى أن ما جاء النص عليه في القرآن الكريم من وجوب المودة لهم المودة، نالهم ما لهم، حتى استشهد الإمام الكاظم عليه أفضل الصلاة والسلام، والذي لا يختلف المسلمون في أنه واحد من مصاديق ذوي القربى الذين نزل النص القرآني بوجوب مودتهم، فكيف يُجمع بين دعوى مودتهم وسجنهم وإيذائهم وإلحاق الضرر بهم الى درجه الوفاة والاستشهاد؟!

هذا الخلل يعني أن هناك خللا، وجوهر هذا الخلل هو أن هناك خللا كامنا في فهم الإمامة من جهة وقبل ذلك في جوهر النبوة من جهة، بل وفي فهم وحدانية الله سبحانه وتعالى، من جهة أخرى.

ولتسليط الضوء على جانب من جوانب هاتين المسألتين، أشير إلى أن الله سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم، يؤكد على ثنائية "الغيب والشهادة" وأشاد سبحانه وتعالى بالمؤمنين أنهم {يُؤمِنونَ بِالغَيبِ} والسر في ذلك أن واقع الوجود الذي نعيشه والذي نحن موجودون فيه ومضطرون للتعامل معه، ليس هو ما نراه بأعيننا فقط، ولا ما نسمعه بآذاننا فقط ولا ما نلمسه بأيدينا فقط ولا هو ما نتعامل به بواحد من حواسنا فقط، وإنما هو يتسع الى ما نراه وما لا نراه، ما نسمعه وما لا نسمعه، وقس على هذا بقية المحسوسات.

وقد أُوكد على هذا المعنى في الآيات والروايات حتى أن هذا صار سببا من أسباب تسبيح الله عز وجل، حيث نقرأ في الدعاء (سبحان الله خالق ما يرى وما لا يُرى). فلو أن الانسان غيّب هذا المعنى، معنى الغيب الذي لا يعني الآخرة فقط وإنما نحن في عالم الدنيا بين يدي شهادة وغيب، كما أن الآخرة غيب، في عالم الدنيا أيضا هناك غيب.

استقرار هذا المفهوم في أذهان المؤمنين وانسحابه على وجدان الواحد منهم، يقلل من حرصهم على الدنيا وتكالبهم فيها، وذلك أن المؤمن إذا أراد شيئا من الدنيا وكان حظه من الدنيا، لكنه سُلب إياه، بسبب إيمانه بالغيب، لا يقدم على أن يأخذ ما سُلب منه من الحق بالباطل، وإنما يحرص دائما وأبدا على أن لا ينال حقه إلّا بالحق، حتى لو كان عدم نيله سيؤدي به إلى أن يستشهد في سبيل الله كما هو الحال بالنسبة للإمام الكاظم عليه أفضل الصلاة والسلام، أو من سبقه من الأئمة أو من لحقه من الأئمة، كان لهم حق عظيم، لكن هذا الحق لا يُنال بالدنيا و إنما يُنال بما عند الله سبحانه وتعالى، وما عند الله عز وجل، فيه شهادة أُذن لنا أن نستعملها بضوابط معينة، لكن في الوقت نفسه هناك وسائل أخرى، أما أنها غيبية، ليس بأيدينا نحن تحديد متى تُفعّل أو لا تفعّل أو أن عز وجل،  إدّخر لنا في الغيب ما سيفوتنا في عالم الشهادة.

وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قوله (حب الدنيا رأس كل خطيئة) وهنا يكمن أهم حاجتنا إلى الأنبياء والأئمة هو هذه النقطة.

الأنبياء ما جاؤا ليبنوا لنا عمارات شاهقة وشوارع وجسور وكباري، هذا يمكن أن يبنيه الناس ويشيده المؤمن منهم والكافر على حد سواء، بل قد يتفوق الكافر فيه على المؤمن، ولكن ما لا يستطيع أن يناله المؤمن ولا الكافر إلّا بإذن من الله وإرادة منه هو هذه الرحمة الشاملة للغيب وللشهادة معا، ماذا يقول الله عز وجل، قال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} فإذن، الله سبحانه وتعالى إنما أرسل رسوله الكريم من أجل أن يرحم الناس.

أي رحمة هذه؟ الرحمة الشاملة والتي جاء وعد الله عز وجل، من أحد أبعادها ووجوهها {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}.

الذين لا يؤمنون بالغيب قد يثير الشيطان عندهم هذا التساؤل:

نحن آمنا بالقرآن وآمنا بالنبي الكريم وقد جاء في القرآن الكريم وعدٌ من الله {واللهُ لا يُخْلفُ المِيعاد} كيف يقول الله عز وجل {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} مع أننا نجد أغلب الأنبياء ذهب دون أن ينالوا حظهم من الدنيا الذي يتمناه كل واحد منا فضلا المؤمنين، المؤمنين نفس الشيء؟!

الذين يؤمنون بالغيب، يؤمن أن وعد الله صادق، أما في هذه الدنيا، ولو بعد حين، أو في عالم الآخرة، وفي كلتا الحالتين وعد الله عز وجل، صادق.

لكن الذين يكون إيمانهم إيمانا مهزوزا أو لا يؤمنون بالله عز وجل، يعتقدون أن هذا القول ليس قولا حقيقيا.

الإمام علي صلوات الله وسلامه عليه، والذي أشرنا في الاسبوع الماضي إلى أنه تناول بعثة النبي ورحمة الله عز وجل، بإرساله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، في هذه البيئة، بيّن فيها خلفيات وظروف ووجوه الرحمة، في حدود معينة.

يقول صلوات الله وسلامه عليه في الخطبة السادسة والعشرين (٢٦):

 (إِنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّي اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ...) والناس يحتجون للإنذار، الإنذار هو التخويف وتبيين للمخاطر التي تحدق بالإنسان مما يراه أو لا يراه.

أولسنا هذه الأيام نلبس كمامات، من منا يرى هذا الفيروس الذي يتحاشاه كل واحد منا بالكمام؟

هذا نوع من أنواع الغيب، لا نعرفه نحن وإنما يعرفه أهل الاختصاص، ليس بالضرورة يرونه وإنما يعرفونه من خلال آثاره.

كذلك الحال بالنسبة للأنبياء، الأنبياء جاؤوا لينذرونا بيوم {لا رَيْبَ فِيه} هو حاصل {لا رَيْبَ فِيه} يجمع الله عز وجل، فيه الظالمَ والمظلوم والمؤمن والكافر، كل الناس من دون استثناء، ليجزي كل واحد منهم على ما عملوا {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}.

 

فيقول [أمير المؤمنين عليه السلام] (إِنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّي اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ...) هناك شيء لا بد أن ينزل من عند الله عزوجل، وهو الوحي، لكن الوحي الذي يأتي بها الأنبياء ليس أوراقا تُكتب حتى يكون النبي أشبه ما يكون بساعي البريد يحمل رسالة من الله سبحانه، ليضعها عند الناس وتنتهي المهمة.

لا، قضية الوحي أعقد من هذا بكثير، بل قد لا يأتي الأنبياء بصحف مكتوبة وإنما أغلبه يوحيه الله عز وجل، على قلب النبي مما لا يستطيع أن يصل إليه ويتلقاه إلّا النبي الذي اختاره الله عز وجل، من بين الناس.

فيقول [عليه السلام](.... إِنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّي اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ..) هذا النبي.

ماذا كان حال العرب الذي بُعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أوساطهم وإليهم؟ قال (...وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ...) من كل النواحي كانت أوضاع العرب الذين بُعث إليهم النبي وفي أوساطهم ومنهم، كانوا في منتهى التخلف، المادي والمعنوي الديني والثقافي والجغرافي.

يقول (....مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجارَةٍ خُشْنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمٍّ، تشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ) لم يكن هناك اختلال فكري فقط، وإنما تجسّد ذلك الخلل الفكري الى أمراض نفسانية وأوبئة روحية، بحيث ما كان يأمن الانسان على نفسه من أقرب الناس إليه، كيف يمكن معالجة هذا الانسان الذي لا فرق فيه بين عربي وأعجمي.

لا يمكن أن يفرق إلّا بالتقوى، من الذي يصنع التقوى ويعين الانسان على أن يكون من أهل التقوى؟ لا يمكن إلّا أن يكون من خلال الوحي النازل من عند الله عز وجل، ولا ينبغي أن يتصور أحد أن التقنين الدنيا والتشريعات الدنيوية والضبط والسيطرة التي يمكن أن ينالها هذه الدولة أو تلك في مشارق الارض ومغاربها، كفيله بأن تنتقل من هذا الواقع الذي وصفه أمير المؤمنين إلى واقع التقوى والتكامل الإنساني، والدليل على ذلك أو المنبه إليه، الحضارات التي تعاقبت على البشر.

أو لم يبلغوا شأوا عظيما من التقدم، لكن لم سقطت هذه الحضارات؟

والحضارة هي الانسان، الانسان الذي يوظف البيئة التي هو فيها، فيرتقي بنفسه حضاريا ومدنيا، لم سقطوا؟

نعم، يستطيعون أن يبنوا المباني الشاهقة والكبيرة والمظاهر المدنية، لكن صناعة التقوى شيء آخر، من دون الإيمان بالغيب، لا يمكن أن يُصنع هذا الانسان إنسانا متكاملا يجل نفسه ويخشى الله عزوجل، عن أن يظلم نملة في جلب شعيرة، كما قال أمير المؤمنين في بغض مضامين كلامه.

يقول أيضا صلوات الله وسلامه عليه، في الخطبة التاسعة والعشرين (٨٩) (أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ...) فتره يعني انقطاع (....وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَاعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ وَانْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَاغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا...) استعارات الإمام صلوات الله عليه وسلامه عليه، يستفيد منها من أجل أن عجلان يبين الفساد الشامل الذي ابتُلي به البشر (.... قد درست...) أي انمحت وتآكلت (....قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ وَدِثَارُهَا السَّيْفُ...).

لأن الناس يكونون في حالة من التيه، حالة من الضياع، حالة من التكالب من كل منهم على أن ينال حقه ولو على حساب حقوق الآخرين، أما المتقون فلا يفعلون ذلك، وغير المتقين قد تجمعهم الأحلاف والتحالفات، لكن الله عز وجل، يقول {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} اليوم يتصاحبون، أو بالأمس كانوا أصحابا، اليوم يلعن بعضهم بعضا، لِمَ؟

لأن الذي جمعهم سابقا لم يكن جامعا حقيقيا، كان جوامع اعتبارية، وهمية، ومتى ما تغيرت الأحوال صار وكل واحد منهم يبحث عن مصلحته الخاصة.

ويقول [عليه السلام] في كلام ثالث صلوات الله وسلامه عليه (بَعَثَهُ والنَّاسُ ضُلَّالٌ فِي حَيْرَةٍ، وحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الأَهْوَاءُ، واسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ، واسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلَاءُ، حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الأَمْرِ وبَلَاءٍ مِنَ الْجَهْلِ فَبَالَغَ صلى الله عليه وآله وسلم فِي النَّصِيحَةِ ومَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ ودَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سار على خطى من سبقه من الأنبياء، لكن بصورة أجمل وأكمل، بحيث يقول الله عز وجل { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بما أتم الله عز وجل النعمة وأكمل الدين؟ بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبمن شهد لهم رسول الله أنهم عِدل القرآن، لن يتفرقا حتى يردا عليه الحوض، كتاب الله وعترته الذين منهم الإمام الكاظم عليه أفضل الصلاة والسلام.

لكن الإنسان ليس دائما – للأسف الشديد- إذا نالته النعمة وأوتي النعمة يحسن استثمارها، بل قد يسيء التعاون معها، وبالتالي لابد من السير، لمن أراد أن يكون تقيا، حسن السيرة والمسيرة والعاقبة، أن يكون من أهل التقوى، حتى لا نُبتلى بما ابتُلي به الأولون، جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجةِ بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظا وقائداً وناصرا ودليلاً وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا واغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.