حديث الجمعة

«الدعاء وصناعة الإنسان» يوم الجمعة ٢ رمضان ١٤٤٤ هـ

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «الدعاء وصناعة الإنسان» يوم الجمعة 2 رمضان 1444 هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

 


 

بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِ الخلقِ وأشرف الأنبياءِ والمرسلين محمدٍ بنِ عبدِ اللهِ وعلى آلِهِ الطيبين الطاهرين.

عبادَ اللهِ! أوصيكم – ونفسي – بتقوى اللهِ؛ فإن التقوى – كما يقول أميرُ المؤمنين (عليه السلام) “مطايا ذُللٌ، حُمِل عليها أهلُها، وأعطوا أزمتَها، فأوردتهم الجنةَ” [نهج البلاغة، الخطبة 16].

عبادَ الله! إن من نعمةِ اللهِ علينا، ونعمُهُ لا تُعَد ولا تُحصى، أن بلَّغنا وإياكم شهرَ رمضانَ. وبهذه المناسبةِ نستذكرُ مَن توفي من المؤمنين خلالَ عامٍ مضى، سائلين اللهَ تعالى لهم – ولمن سبقهم من المؤمنين – الرحمةَ والرضوانَ.

وأن نحظى وإياكمِ بشرفِ ضيافةِ اللهِ في هذا الشهرِ الكريمِ، فإن هذا يعني أننا نعيش أياماً هي أفضلُ الأيامِ، ولياليَ هي أفضلُ الليالي، وساعاتٍ هي أفضلُ الساعاتِ، كما وصف نبيُّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الشهرَ في خطبتِهِ التي استقبله بها.

لهذا، فإن اللازمَ علينا بحكمِ العقلِ، والواجبَ علينا بحكمِ النقلِ، أن ننتهزَ هذه الفرصةَ، والفرصُ تمر مرَّ السحابِ، بأن نحسنَ التعاملَ معه، بأزيدَ وأحسنَ مما نتعاملَ به مع غيرِهِ.

***

إخواني الكرامَ، أخواتي الكريماتِ:

كنا قد وقفنا في الجمعةِ السابقةِ على شهرِ رمضانَ وصناعةِ الإنسانِ، ونقف الآن مع الدعاءَ – خصوصاً المأمورَ منه عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وآلهِ (عليهم السلام) – باعتبارِهِ من أهمِّ المنابعِ والأدواتِ في صناعةِ الإنسانِ.

قال تعالى ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا ‌دُعَاؤُكُمْ ..﴾ [الفرقان: 77]، وقال ﴿‌ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ..﴾ [غافر: 60].

ولست بصددِ الحديثِ عن أهميةِ الدعاءِ، وآدابِهِ، وثمراتِهِ، بل بصددِ الاستلهامِ منه لما يجدر بنا أن نعرفَهُ عن شهرِ رمضان، وما يجب أن نستهدفَهُ فيه من تطلعاتٍ وآمالٍ، وأن نستشعرَهُ من أوجاعٍ وآلامٍ.

ففي هذا السياقِ روي عن إمامِنا السجادِ (عليه السلام) أنه كان يستقبل كلَّ يومٍ من أيامِهِ طوالَ السنةِ بدعاءٍ جاء فيه:

“اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِهِ، ووفِّقنا في يومِنا هذا وليلتِنا هذه، وفي جميعِ أيامِنا لاستعمالِ الخيرِ، وهِجران الشرِّ، وشكرِ النعمِ‏، واتباعِ السننِ، ومجانبةِ البدعِ، والأمرِ بالمعروفِ، والنهيِ عن المنكرِ، وحياطةِ الإسلامِ، وانتقاصِ الباطلِ وإذلالِهِ، ونصرةِ الحقِّ وإعزازِهِ، وإرشادِ الضالِّ، ومعاونةِ الضعيفِ، وإدراكِ اللهيفِ ..” [الصحيفة السجادية، الدعاء 6] إلى آخرِ ما قال.

وهذه عناوينُ ينتظمُ فيها – كما هو واضحٌ لِمن تمعَّن فيها – الكثيرُ من البنودِ، ويتفرعُ عنها الكثيرُ من المسائلِ.

وإذا كان هذا هو برنامجَ العملِ الذي يلقننا الإمامُ السجادُ (عليه السلام) إياه في صورةِ دعاءٍ للأيامِ العاديةِ؛ ليكونَ اللهُ تعالى – وهو المدعوُّ والمأمولُ – عوناً لنا عليه، فلا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، فكيف يجب علينا أن نتعاملَ مع أيامِ شهرِ رمضانَ، ولياليهِ، بل ساعاتِهِ؟!

ولما كان لكلِّ شيءٍ – بنصِّ القرآنِ – ملكوتٌ، حيث يقول اللهُ سبحانه ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ ‌مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 83] – فإن لشهرِ رمضانَ ملكوتاً لا نعرفهُ بأدواتِنا المعرفيةِ المعتادةِ، فلا محيصَ – إذن – من الرجوعِ إلى عالِـمِ الغيبِ والشهادةِ عزَّ وجلَّ، ثم إلى المتَّصلِين بعالمِ الغيبِ وحياً وإلهاماً، وهم رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترتُهُ الذين أُمِرنا بالرجوعِ إليهم باعتبارِهم “.. مع القرآنِ والقرآنُ معهم، لا يفارقهم،‏ ولا يفارقونه ..” [بحار الأنوار ‏36/279].

وحول شهرِ رمضانَ، وما فيه من بركاتٍ، يقول الإمامُ السجادُ (عليه السلام) في دعائه الذي يستقبل فيه شهرَ رمضانَ – وهو الرابعُ والأربعون من أدعيةِ الصحيفةِ السجادية – يقول:

“.. اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِهِ، وألهِمنا معرفةَ فضلِهِ، وإجلالَ حرمتِهِ، والتحفظَ مما حظَرت فيه، وأعِنا على صيامِهِ بكفِّ الجوارحِ عن معاصيك، واستعمالِها فيه بما يرضيك؛ حتى لا نصغيَ بأسماعِنا إلى لغوٍ، ولا نسرعَ بأبصارِنا إلى لهوٍ، وحتى لا نبسطَ أيديَنا إلى محظورٍ، ولا نخطوَ بأقدامِنا إلى محجورٍ، وحتى لا تعيَ بطونُنا إلا ما أحللتَ، ولا تنطقَ ألسنتُنا إلا بما مثَّلتَ، ولا نتكلفَ إلا ما يُدني من ثوابِك، ولا نتعاطى إلا الذي يقي من عقابِك.

ثم خلِّص ذلك كلَّهُ من رئاءِ المراءين، وسمعة المسمِعِين، لا نشركُ فيه أحداً دونك، ولا نبتغي فيه مراداً سواك”.

ثم يقول (عليه السلام):

“اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِهِ، وقِفنا فيه على مواقيتِ الصلواتِ الخمسِ بحدودِها التي حدَّدتَ، وفروضِها التي فرضتَ، ووظائفِها التي وظَّفتَ، وأوقاتِها التي وقَّتَّ، وأنزِلنا فيها منزلةَ المصيبين لمنازلِها، الحافظين لأركانِها، المؤدِّين لها في أوقاتِها على ما سنَّهُ عبدُك ورسولُك – صلواتُك عليه وآلِه – في ركوعِها وسجودِها وجميعِ فواضِلِها على أتمِّ الطَّهورِ وأسبغِهِ، وأبينِ الخشوعِ وأبلغِهِ.

ووفِّقنا فيه لأن نصلَ أرحامَنا بالبرِّ والصلةِ، وأن نتعاهدَ جيرانَنا بالإفضالِ والعطيةِ، وأن نخلِّصَ أموالَنا من التبعاتِ، وأن نطهِّرَها بإخراجِ الزكواتِ، وأن نراجعَ من هاجَرنا، وأن ننصفَ مَن ظلَمنا، وأن نسالمَ مَن عادانا حاشا مَن عودي فيك ولك، فإنه العدوُّ الذي لا نواليه، والحزبُ الذي لا نصافيه، وأن نتقربَ إليك فيه من الأعمالِ الزاكيةِ بما تطهِّرُنا به من الذنوبِ، وتعصمَنا فيه مما نستأنفُ‏ من العيوبِ، حتى لا يورِدَ عليك أحدٌ من ملائكتِك إلا دون ما نوردُ من أبوابِ الطاعةِ لك، وأنواعِ القربةِ إليك ..”  [الصحيفة السجادية، الدعاء 44].

أيها المؤمنون والمؤمناتُ:

إن هذه الفقراتِ الدعائيةِ هي شطرٌ من دعاءٍ سجاديٍّ شريفٍ، وهو جديرٌ بأن يُجعلَ – بعد افتتاحِ الشهرِ به – دستوراً يُنظَرُ فيه في كلِّ يومٍ من أيامِ شهرِ رمضانَ، حالُهُ حالُ خطبةِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكلامُهم نورٌ، وهو من مشكاةٍ واحدةٍ من شأنِها أن تضيءَ دربَ السالكِ إلى الله تعالى ليسيرَ – بفكرِهِ، وبوجدانِهِ، وبجميعِ جوانحِهِ وجوارحِهِ – على منهاجٍ الهدى ببصيرةٍ، واستقامةٍ، وثباتٍ.

أما المنهاج، فإن فيه العملَ بما شرعه من حقوقٍ وحدودٍ للخالقِ والمخلوقِ والنفسِ، فلا يُرتكبَ الحرامُ، ولا يُهملَ الواجبُ، ولا يستخفَّ بالآدابِ، ويتعاملَ بسموٍّ وتعالٍ مع الإشكالاتِ والمشكلاتِ، وتُعالجَ الأزماتُ بحكمةٍ ورشدٍ.

ثم إن الإمامَ السجادُ (عليه السلام) بيَّن في دعائِهِ الشريفِ هذا – مع المنهاجِ – عناصرَ ثلاثةً لا بدَّ من الانتباهِ لها، والعملِ على اعتمادِها.

أما العنصرُ الأولُ، فهو البصيرةُ، وتعني:

أن يكونَ الإنسانُ على هدى ومعرفةٍ مما يؤدي به إلى الخيرِ والصلاحِ، وبما يحقق له أهدافَهُ التي تعودُ بالنفعِ عليه وعلى مَن يعنيه أمرُهم من خلقِ اللهِ في العاجلِ والآجلِ.

قال تعالى عن القرآنِ الكريمِ – وهو وحيُهُ المنزلُ في هذا الشهرِ، والمأمورُ أن نكثفَ من تلاوةِ آياتِهِ فيه – ﴿هَذَا ‌بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 20].

ويقابل البصيرةَ، ويضادُّها، أن يسيرَ الإنسانُ على غيرِ هدى، لا يعرف ما يريد وما لا يريد، ولا يميز بين النافعِ والضارِّ، ويستوي عنده المعصيةُ والطاعةُ، ويتساوى عنده العدوُّ والوليُّ.

وأما العنصرُ الثاني، فهو الاستقامةُ، وتعني:

أن يتمثلَ الإنسانُ بصيرتَهُ، فلا يخالف فعلُهُ قولَهُ، ولا يتناقضَ في سلوكِهِ بحيث يكون داعيةَ حقٍّ على مستوى الشعارِ، ومخالفاً لذلك على مستوى الفعلِ، من دون فرقٍ بين أن يمارِسَ هذا التناقضَ في شأنٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ، مع الخالقِ أو الخلقِ.

قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ ‌اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30].

ويقابل الاستقامةَ وثمراتِها الطيبةَ، الانحرافُ والاعوجاجُ والتيهُ ونتائجُها الفاسدةُ والمفسِدةُ.

وأما العنصرُ الثالث، فهو الثباتُ، ويعني:

أن يجتهدَ الإنسانُ المستقيمُ، وذو البصيرةِ، على أن يظلَّ على هذا النهجِ إلى أن يختارَ اللهُ تعالى له دارَ البقاءِ.

ولَما كان من لطفِ اللهِ بنا أننا لا نعرفُ لحظةَ الموتِ، فإن هذا يعني أن يلازمَ الإنسانَ مراقبة نفسِهِ حتى لا تزلَّ قدمُهُ في أي لحظةٍ من لحظاتِ حياتِهِ وهو لاهٍ عن ربِّهِ، مشغولٌ بما لا يقربُهُ إليه، أو يبعِّدُهُ عنه، فيكونَ من المحرومين لا من المرحومين.

قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ‌وَلَا ‌تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

ويقول أميرُ المؤمنين (عليه السلام) في واحدةٍ من مواعظِهِ “.. ألا فاذكروا هادمَ اللذاتِ، ومنغصَ الشهواتِ، وقاطعَ الأمنياتِ، عند المساورةِ للأعمالِ القبيحةِ[1][نهج البلاغة، الخطبة 98].

ويقابلُ الثباتَ التقلبُ والتأرجحُ، كما قد يقع فيه بعضُ مَن يتدينون نصفَ تدينٍ في شهرِ رمضانَ، عازمين على العودِ إلى ما كانوا عليه قبله!

ويكمل الإمام السجادُ (عليه السلام) دعاءَهُ فيقول:

“اللهم واجعلنا في سائرِ الشهورِ والأيام كذلك ما عمَّرتنا، واجعلنا من عبادِك الصالحين‏ الذين يرثون الفردوسَ هم فيها خالدون‏، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبُهم وجلةٌ أنهم إلى ربِّهم راجعون‏، ومن الذين‏ يسارعون في الخيراتِ وهم لها سابقون‏.

اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِهِ في كلِّ وقتٍ وكلِّ أوانٍ وعلى كلِّ حالٍ عددَ ما صليتَ على مَن صليتَ عليه، وأضعافَ ذلك كلِّهِ بالأضعافِ التي لا يحصيها غيرُك، إنك فعالٌ لِما تريد[الصحيفة السجادية، الدعاء 44].

إخواني المؤمنين أخواتي المؤمناتِ:

إن الاشتغالَ بما أمَرنا اللهُ به في هذا الشهرِ، وبما ندبنا إليه من الصيامِ والصلاةِ وتلاوةِ القرآنِ، وسائرِ ما يطرق أسماعَنا وأسماعَكم من طاعاتٍ وقرباتٍ، والتضرعِ إلى اللهِ تعالى بالعملِ بذلك، والتوفيقِ إليه، ومراقبةِ أنفسِنا وحثِّها عليه، كلُّ ذلك كفيلٌ – بعونِ اللهِ عزَّ وجلَّ – أن يجعلَنا ممن أحسَن استقبالَ الشهرِ، وممن أدى حقَّهُ، وحرص على أن لا تفوتَهُ منافعُهُ.

وختاماً أذكِّر نفسي وإياكم بأفضلِ الأعمالِ في هذا الشهرِ، فقد سأل أميرُ المؤمنين (عليه السلام) رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك، فقال إنه “الورعُ عن محارمِ اللهِ”. [وسائل الشيعة 10/314].

جنبنا اللهُ وإياكم محارمَهُ، وأعاذنا وإياكم من أسبابِها، وأجوائِها، وممن يدعو إليها، ووفقنا اللهُ وإياكم إلى صيامِ شهر رمضانَ وقيامِهِ، وتلاوةِ كتابِهِ فيه، ونسألُهُ أن يسلِّمَه لنا وأن يسلِّمنا فيه.

جعلنا اللهُ وإياكم ممن يستمعون القولَ فيتبعون أحسنَهُ.

اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِ محمدٍ.

اللهم كن لوليك الحجةِ بنِ الحسنِ، في هذه الساعةِ، وفي كلِّ ساعةٍ، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً؛ حتى تسكنَهُ أرضَك طوعا، وتمتعَهُ فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلامَ والمسلمين، واخذل الكفارَ والمنافقين.

اللهم مَن أرادنا بسوءٍ فأرده، ومَن كادنا فكِده.

اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وأغنِ فقراءَنا، وأصلِح ما فسَد من أمرِ دينِنا ودنيانا، ولا تُخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا، يا كريمُ.

وصلى اللهُ على سيدِنا ونبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِهِ الطيبين الطاهرين.

 

 

[1] المساورةُ هي المواثبةُ والارتكابُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *