حديث الجمعة

«الحزمُ مع المنافقين» – يوم الجمعة 16 محرم 1445 هـ

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «الحزمُ مع المنافقين» يوم الجمعة 16 محرم 1445 هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِ الخلقِ وأشرفِ الأنبياءِ والمرسلين محمدٍ بنِ عبدِ اللهِ وعلى آلِهِ الطيبين الطاهرين.

ربِّ اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.

اللهم اجعل أعمالَنا خالصةً لوجهِك الكريمِ.

***

عبادَ اللهِ! أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ؛ وإن التقوى تعني التزامَ الإيمانِ وتطبيقاتِهِ.

وإن مما ابتليت به مسيرةُ الصلاحِ والإصلاحِ عبر التاريخِ آفةَ النفاقِ التي تعني إظهارَ الإيمانِ بمراتبِهِ وإبطانَ الكفرِ بمراتبِهِ. وقد كانت هذه الآفةُ واحداً من أهمِّ الدواعي والأسبابِ للنهضةِ الحسينيةِ التي تفيأنا ولا نزال نتفيأ ظلالَها المباركةَ.

وقد عالج القرآنُ الكريمُ هذه الظاهرةَ في آياتٍ كثيرةٍ، منها قولُهُ تعالى في سورةِ التوبةِ ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 64، 66].

فتبينُ واقعِ النفاقِ، والحزمُ في التعاملِ مع مراوَغاتِ المنافقين، أمران لا ينبغي التهاونُ فيهما.

وهنا خمسُ وقفاتٍ:

الأولى: إن من المعلومِ أن الناسَ جميعاً يحبون أنفسَهم، ولا يتمنون لها الخطرَ أو الضررَ. لذلك، فإن الأسوياءَ من الناسِ إذا وقع الواحدُ منهم في القبيحِ، أو وقع منه القبيحُ، لا يحبُّ أن يَعرفَ أحدٌ ذلك منه، فهو يحذر من العقابِ، أو الفضيحةِ.

والحذرُ الذي هو الخوفُ والتحفظُ من وقوعِ المكروهِ، أو توقي الخطرِ والسعيُ في دفعِ الضررِ ليس مذموماً من كلِّ أحدٍ! وليس هو مذموماً في كلِّ حالٍ، بل قد يكون مطلوباً، بل مأموراً به.

والشاهدُ على ذلك قولُ اللهِ تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ‌فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235]، وقولُهُ تعالى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ‌وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: 92].

الوقفة الثانية: الاستهزاءُ بمعنى القولِ أو الفعلِ الدالَّين على استصغارِ المستهزَأِ به وتنقصِهِ فعلٌ قبيحٌ، ومنهيٌّ عنه، في حقِّ كلِّ ذي كرامةٍ ومنزلةٍ.

والآياتُ وإن كانت في ظاهرِها أمراً، أو إخباراً، لكنها في الحقيقةِ وعيدٌ وتهديدٌ للمنافقين المستهزئين بأن استهزاءَهم لن يظلَّ حبيساً في قلوبِهم ولا في مجالسِهم الخاصةِ، بل إن اللهَ تعالى سيبديه، وسيجازي فاعلِيه بما يستحقون!

الوقفة الثالثة: إن قولَهُ تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ..} خطابٌ لرسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيه بيانٌ بأنه إن سأل هؤلاء المنافقين عما صدر منهم من استهزاءٍ، وبان لهم منه الحزمُ والجدُّ، فسيكون جوابُهم المؤكدُ بأنهم لم يكونوا جادِّين في ما قالوه! وأن ما دعاهم إلى ذلك إنما هو الخوضُ واللعبُ ليس إلا! تماماً كما يفعل الأطفالُ والصبيانُ إذا وجدوا بركةً من الماءِ أو ما يشبهها!

وفي هذا الإخبارِ الغيبيِّ المسبقِ دلالةٌ على وحيانيةِ القرآنِ، ونبوةِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا ما حصل؛ فإنهم اعتذروا لأنفسِهم بذلك!

وهذا هو المنطقُ المعتادُ من المستهزئين بالدينِ وتعاليمِهِ حينما يواجههم أهلُ الحقِّ بحزمٍ ولا يبدون الضعفَ أمامهم.

الوقفة الرابعة: إن قولَهُ تعالى {.. قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} بيانٌ من اللهِ تعالى وأمرٌ بأن يقولَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) للمنافقين بصيغةِ السؤالِ الاستنكاريِّ والاستهجانيِّ بأن ذاتَهُ المقدسةَ وآياتِهِ البيناتِ ورسولَهُ الكريمَ (صلى الله عليه وآله وسلم) هي ساحاتٌ لا تحتمل الاستهزاءَ بها بوجهٍ من الوجوهِ!

ومن هذه الساحاتِ كتابُ اللهِ المجيدُ، فلا يجوز هتكُهُ، ولا التطاولُ عليه، والواجبُ على المسلمين جميعاً الحؤولُ دون ذلك من أيٍّ كان، وبشتى السبلِ، وإنهم لقادرون عليه لو اتحدت كلمتُهم، وشُحِذت هممُهم، وأعملوا فطنتَهم لتبيُّنِ ما يراد من هذا الهتكِ.

وإن من مصلحةِ المسلمين وغيرِ المسلمين أن لا يُتطاولَ على القرآنِ، ولا أن يُسمحَ بذلك، أو أن يهوَّن من شناعةِ التعدي عليه؛ فللتطاولِ على القرآنِ وهتكِهِ خصوصاً مع تكرارِه أهدافاً لا تخفى، منها الإمعانُ في إذلالِ الأمةِ في نفسِها، والنيلُ من هيبتِها بين الأممِ.

ومن صورِ الاستهزاءِ أيها المؤمنون والمؤمناتُ ما رواه الطبريُّ في شأنِ نزولِ آياتِ حديثِنا أنه:

بينا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه [وآله] وسلم يسير في غزوتِهِ إلى تبوكٍ، وبين يديه ناسٌ من المنافقين، فقال: أيرجو هذا الرجلُ أن يفتحَ قصورَ الشامِ وحصونَها؟! هيهات!! هيهاتَ!! 

فأطلع اللهُ نبيَّهُ صلى اللهُ عليه [وآله] وسلم على ذلك!

فقال نبيُّ اللهِ صلى اللهُ عليه [وآله] وسلم: احبسوا عليَّ هؤلاء الركبَ. فأتاهم، فقال: قلتم كذا؟! قلتم كذا؟!

قالوا: يا نبيَّ اللهِ! إنما كنا نخوضُ ونلعبُ، فأنزل اللهُ تبارك وتعالى فيها ما تسمعون.

أو ما روي أن رجلاً من المنافقين قال يحدثنا محمدٌ أن ناقةَ فلانٍ بوادي كذا وكذا، في يومِ كذا وكذا، وما يدريه ما الغيبُ.

أو ما روي أنها نزلت‏ في‏ اثني‏ عشرَ رجلاً وقفوا على العقبةِ ليفتكوا برسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) عند رجوعِهِ من تبوكٍ. فأخبر جبريلُ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، وأمره أن يرسلَ إليهم، ويضربَ وجوهَ رواحلِهم، وعمارٌ كان يقود دابةَ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحذيفةُ يسوقُها. فقال لحذيفةَ: اضرب وجوهَ رواحلِهم. فضربها حتى نحَّاهم، فلما نزل قال لحذيفةَ: مَن عرفتَ من القومِ؟ قال: لم أعرف منهم أحداً. فقال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): إنهم فلانٌ، وفلانٌ، حتى عدَّهم كلَّهم. فقال حذيفةُ: ألا تبعث إليهم فتقتلَهم؟! فقال: أكره أن تقولَ العربُ لَما ظفر بأصحابِهِ أقبل يقتلهم‏.

وجميعُ هذه الرواياتِ محتمَلةٌ؛ منفردةً، ومجتمعةً.

ويُحتملُ أن يكونَ معها أو دونها غيرُها؛ مما اعتاد المنافقون قولَهُ في التشكيكِ والطعنِ في اللهِ تعالى وآياتِهِ ورسولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بنحوِ الاستهزاءِ والاستخفافِ.

ومما يمكن عدُّه من الاستهزاءِ المذمومِ في الآيةِ ما أخرجه الطبرانيُّ، بسندِهِ، عن بريدةَ، قال بعث رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه [وآله] وسلم، عليّاً أميراً على اليمنِ، وبعث خالدَ بنَ الوليدِ على الجبلِ، فقال: إن اجتمعتما فعليٌّ على الناسِ.

فالتقوا، وأصابوا من الغنائمِ ما لم يصيبوا مثلَهُ، وأخذ عليٌّ جاريةً من الخمسِ، فدعا خالدُ بنُ الوليدِ بريدةَ، فقال: اغتنِمها، فأخبِر النبيَّ صلى اللهُ عليه [وآله] وسلم بما صنع!

فقدمتُ المدينةَ، ودخلتُ المسجدَ، ورسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه [وآله] وسلم في منزلِهِ، وناسٌ من أصحابِهِ على بابِهِ. فقالوا: ما الخبرُ يا بريدةُ!

فقلت: خيرٌ، فتح اللهُ على المسلمين.

فقالوا: ما أقدمك؟!

قال: جاريةٌ أخذها عليٌّ من الخمسِ، فجئتُ لأخبرَ النبيَّ صلى اللهُ عليه [وآله] وسلم! 

قالوا: فأخبِره، فإنه يسقطُهُ من عينِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه [وآله] وسلم!! ورسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه [وآله] وسلم يسمع الكلامَ، فخرج مغضَباً، وقال: ما بالُ أقوامٍ ينتقصون عليّاً؟! مَن ينتقص عليّاً فقد انتقصني، ‌ومَن ‌فارق ‌عليّاً ‌فقد ‌فارقني، إن عليّاً مني وأنا منه، خُلِق من طينتي، وخُلِقتُ من طينةِ إبراهيمَ، وأنا أفضلُ من إبراهيمَ ﴿‌ذُرِّيَّةً ‌بَعْضُهَا ‌مِنْ ‌بَعْضٍ ‌وَاللَّهُ ‌سَمِيعٌ ‌عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 34]. وقال: يا بريدةُ! أما علمتَ أن لعليٍّ أكثرَ من الجاريةِ التي أخَذ، وأنه وليُّكم من بعدي؟! فقلت: يا رسولَ اللهِ! بالصحبةِ إلا بسطتَ يدَك حتى أبايعَك على الإسلامِ جديداً.

قال: فما فارقتُهُ حتى بايعتُهُ على الإسلامِ.

ولما كان السبُّ أقبحَ من الاستهزاءِ، والاستنقاصُ فيه أشدَّ، والاستخفافُ فيه آكدَ، يتبين أن سابَّ اللهِ عزَّ وجلَّ، وسابَّ رسولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسابَّ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام)، أو الفاعلَ أو القائلَ لما يدل على الاستهزاءِ بالشرعِ والشارعِ، يتبين أنه محكومٌ بما جاء في الآيةِ؛ بحكمِ الآيةِ، وهذا الحديثِ، ونصوصٍ نبويةٍ كثيرةٍ، وبإجماعِ علماءِ الأمةِ.

ثم إن قولَهُ تعالى {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ..} بيانٌ بأن الاستهزاءَ بالنحوِ المذكورِ في الآيةِ مساوقٌ للكفرِ.

فلو أن أحداً استهزأ بمثلِ ما قاله هؤلاء القائلون سيكون كافراً، ويترتب عليه أحكامُ الكفرِ، وإن عدَّ نفسَهُ، أو عدَّه الناسُ، من المؤمنين!

الوقفة الخامسة: إن قولَه تعالى {.. إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} دالٌّ على أن الاستهزاءَ باللهِ تعالى وآياتِهِ ورسولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلٌ قبيحٌ، وجريمةٌ، وفاعلُها مجرمٌ مستحقٌّ للعذابِ والعقابِ. وللهِ تعالى أن يعفوَ عن طائفةٍ بسببِ أن ما صدر منهم كان عن جهلٍ، أو بسببِ أنهم كانوا مستمعين لا قائلين، أو بسببِ توبتِهم، أو لمصلحةٍ تقتضي العفوَ وله عزَّ وجلَّ أن يعذبَ طائفةً أخرى؛ لأنهم إنما قالوا ذلك عن كفرٍ وإصرارٍ.

وفي الآيةِ إشعارٌ، بل دلالةٌ، بأن المجرمين، ومنهم المنافقون:

أ ليسوا سواءً، فإن منهم مَن يستحقُّ العفوَ عنه، ومنهم مَن لا يستحقُّهُ.

ب أن تقديرَ استحقاقِ العفوِ وعدمِهِ بيدِ الإمامِ، وهو الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) في زمانِهِ، ومن بعده مَن يلي الأمرَ بطريقٍ مشروعٍ.

وأخيراً، فإن الآياتِ تدلُّ على خطورةِ الكلامِ، وعلى عظمِ المسؤوليةِ فيه، وأن بعضَهُ لا فرقَ فيه من حيث التبعاتِ والعواقبِ بين الجدِّ والهزلِ.

جنبنا اللهُ وإياكم الخطلَ في القولِ والفعلِ، ونسأله أن نكونَ ممن يستمعون القولَ فيتبعون أحسنَهُ.

***

اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِ محمدٍ.

اللهم كن لوليك الحجةِ بنِ الحسنِ، في هذه الساعةِ، وفي كلِّ ساعةٍ، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً؛ حتى تسكنَهُ أرضَك طوعا، وتمتعَهُ فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلامَ والمسلمين، واخذل الكفارَ والمنافقين.

اللهم مَن أرادنا بسوءٍ فأرده، ومَن كادنا فكِده.

اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وأغنِ فقراءَنا، وأصلِح ما فسَد من أمرِ دينِنا ودنيانا، ولا تُخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا، يا كريمُ.

وصلى اللهُ على سيدِنا ونبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِهِ الطيبين الطاهرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *