حديث الجمعة

«مع القرآنِ في شهرِ رمضانَ وبعده» يوم الجمعة 11 رمضان 1445 هـ

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «مع القرآنِ في شهرِ رمضانَ وبعده» يوم الجمعة 11 رمضان 1445 هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِ الخلقِ وأشرفِ الأنبياءِ والمرسلين محمدٍ بنِ عبدِ اللهِ وعلى آلِهِ الطيبين الطاهرين.

ربِّ اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.

اللهم اجعل أعمالَنا خالصةً لوجهِك الكريمِ.

عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ، التي من شأنِها أن تكونَ سبباً في أن تنالَ ما تحبُّ، وأن تتجنبَ ما تكرهُ.

وهذا يعني أن الإنسانَ يحب أشياءَ، وهي ما يعتقد أنها تنفعُهُ، ويكره أشياءَ، وهي ما يعتقد أنها تضرُّهُ.

وهنا يتفاوت الناسُ!

فالبونُ شاسعٌ بين مَن يبني اعتقادَهُ في ما ينفع وما يضر على علمٍ يقينيٍّ صائبٍ، ومَن يبني اعتقادَهُ على ما يحسب ويظن أنه علمٌ ثم قد يكون حقّاً وقد يكون باطلاً!

وفي هذا يقول اللهُ تعالى ﴿.. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ ‌يَعْلَمُونَ ‌وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ..﴾ [الزمر: 9].

فمَن يعلم يُحسن اختيارَ ما يعمله، وأما مَن لا يعلم فإنه لا يحسن الاختيارَ.

ومَن يَعلم يُحسن الموازنةَ بين الأهمِّ والمهمِّ، وأما مَن لا يعلم فلا يحسن ذلك.

ومَن يعلم يحسن اختيارَ الصديقِ والصاحبِ، وأما مَن لا يعلم فإنه لا يحسن اختيارَ هذا ولا ذاك، فيقع في حبالةِ العدوِّ؛ لأنه يحسبه صديقاً صدوقاً أو صاحباً ناصحاً!

وقد ضرب اللهُ تعالى في كتابَهِ الكريمِ لنا مثلاً على مَن لا يعلمون، وما آل إليه حالُهم بسببِ ذلك، فقال عزَّ من قائلٍ ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ ‌يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: 102-106].

فقد بينت هذه الآياتُ الكريماتُ أن الذين كفروا اعتمدوا الحسبانَ منهجاً في معرفةِ مَن يُتولَّى، والحسبانُ ظنٌّ يقصُر عن العلمِ، وما كان لهم أن يعتمدوه في أمرٍ خطيرٍ كهذا؛ فإنهم لا يعتمدونه في ما هو أقلُّ شأناً منه!

وترتب على اعتمادِ هؤلاء للحسبانِ منهجاً في النظرِ والحكمِ أولاً، ثم في الاختيارِ ثانياً، ثم في العملِ والتطبيقِ ثالثاً ترتب عليه أن سعيَهم ضلَّ! فلم يؤد بهم إلى ما كانوا يتطلعون إليه من منافعَ، ولا دفع عنهم ما كانوا يخشونه من مضارَّ! بل كانت نتائجُهُ عكسيةً تماماً.

فكان من نتائجِ حسبانِهم هذا، وعدمِ اعتمادِ العلمِ، أنهم {..كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ..}، والآياتُ هي الدلائلُ الواضحةُ على ما جُعِلت دليلاً عليه، ولكن هؤلاء عميٌ لا يبصرون، وصمٌّ لا يسمعون! 

وكان من نتائجِ اعتمادِهم الحسبانَ دون العلمِ، ثانياً، أنهم كفروا بلقاءِ اللهِ، أي أنهم أنكروا المعادَ.

وكان من نتائجِ اعتمادِهم الحسبانَ، ثالثاً، أنهم وقعوا في رذيلةِ الاستهزاءِ بالرسلِ (عليهم السلام)، فلم يصدقوهم، ولم يحترموهم، وبالتالي لم يطيعوهم.

وترتب على كفرِهم باللهِ وبآياتِهِ وبلقائِه، وعلى استهزائِهم بالرسلِ، أن أعمالَهم بما فيها ما يُرى أنه عملٌ صالحٌ حبطت، حتى أن اللهَ تعالى لا يقيم لهم {.. يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}.

وهذا كنايةٌ عن الخسرانِ المبينِ.

وبهذا المنهجِ الخاطئِ أوصد هؤلاء على أنفسِهم أبوابَ الجنانِ، وفُتحت عليهم أبوابُ جهنمِ، وصدق عليهم قولُ اللهِ تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ ‌نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: 2-7].

فهذا أيها المؤمنون نموذجٌ لِمن يعمل بلا علمٍ، فهو يسيء الاختيارَ من حيث يريد أو لا يريد، ومن حيث يشعر أو لا يشعرُ!

وصدق أميرُ المؤمنين (عليه السلام) حيث روي عنه قولُهُ لا ترى الجاهلُ إلا مفرطاً أو مفرِّطاً.

ومن هنا، ندرك بعضَ الحكمةِ في ما ندبنا إليه الشرعُ الحنيفُ من تلاوةِ القرآنِ في كلَّ يومٍ، خاصةً في شهرِ رمضانَ؛ فإن القرآنِ ينتقل بمن يتلوه من العمى إلى البصرِ، وينتشله من وهدةِ الجهلِ إلى ذرى العلمِ، ويخليه من رذيلةِ الكسلِ ويحلِّيه بفضيلةِ العملِ.

 فللأنسِ بالقرآنِ وتلاوتِهِ بركاتٌ لا تُحصى، ولو لم يكن سوى أنها تخرج الفردَ القرآنيَّ من الظلماتِ إلى النورِ لكفى! فإن خرج من الظلماتِ إلى النورِ كان من المتقين، وحظي بخيرِ الدارين.

وقد روي عن الصادقِ (عليه السلام) أنه قال:

عليكم بمكارمِ الأخلاقِ؛ فإن اللهَ عزَّ وجلَّ يحبها، وإياكم ومذامَّ الأفعالِ؛ فإن اللهَ عزَّ وجل يُبغِضها. وعليكم بتلاوةِ القرآنِ؛ فإن‏ درجاتِ‏ الجنةِ على‏ عددِ آياتِ‏ القرآنِ،‏ فإذا كان يومُ القيامةِ يقال لقارئِ القرآنِ اقرأ وارقَ، فكلما قرأ آيةً رقى درجةً. وعليكم بحسنِ الخلقِ؛ فإنه يبلغ بصاحبِهِ درجةَ الصائمِ القائمِ. وعليكم بحسنِ الجوارِ؛ فإن اللهَ أمر بذلك، وعليكم بالسواكِ؛ فإنها مطهرةٌ، وسنةٌ حسنةٌ. وعليكم بفرائضِ اللهِ فأدُّوها. وعليكم بمحارمِ اللهِ فاجتنبوها.

وكان من ضمن وصايا رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأميرِ المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) قولُهُ له .. عليك‏ بتلاوةِ القرآنِ‏ على‏ كلِّ‏ حالٍ ...

وليس المقصودُ بتلاوةِ القرآنِ أيها الأعزاءُ مجردَ تلاوتِهِ، ولو من أجلِ الثوابِ، وإن كان الثوابُ مطلوباً، وإنما تلاوتُهُ للتفاعلِ معه، والتأثرُ به، فقد روي أن الإمامَ الصادقَ (عليه السلام) سئل عن قولِ الله عزَّ وجلَّ {وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4]، فقال قال أميرُ المؤمنين (عليه السلام): بيِّنه تبياناً، ولا تهذَّه هذَّ الشعرِ [وفُسِّر الهذُّ بالسرعةِ في القراءةٍ، أي: لا تسرع في قرائتِهِ]، ولا تنثره نثرَ الرملِ؛ ولكن أفزعوا به قلوبَكم القاسيةَ، ولا يكن همُّ أحدِكم آخرَ السورةِ.

وروي عن إمامِنا الصادقِ (عليه السلام) أنه قال ينبغي لِمن يقرأ القرآنَ إذا مرَّ بآيةٍ من‏ القرآنِ‏ فيها مسألةٌ، أو تخويفٌ، أن يسأل اللهَ عند ذلك خيرَ ما يرجو، ويسأله العافيةَ من النارِ ومن العذابِ.

ورو عن إمامِنا الحسنِ المجتبى (عليه السلام)، والذ تمر علينا ذكرى مولدِهِ الشريفِ منتصف هذا الشهرِ، أنه قال
ما بقي في الدنيا بقيةٌ غيرُ هذا القرآنِ، فاتخذوه إماماً يدلكم على هداكم، وإن أحقَّ الناسِ بالقرآنِ مَن عمل به وإن لم يحفظه، وأبعدَهم منه مَن لم يعمل به وإن كان يقرؤه.

ولتلاوةِ القرآنِ في شهرِ رمضان خصوصيةٌ، فقد روي عن أبي جعفرٍ الباقرِ (عليه السلام) أنه قال لكل شيءٍ ربيعٌ، وربيعُ‏ القرآنِ‏ شهرُ رمضانَ.‏

لكن ينبغي أن لا يفهم ذلك على أن العلاقةَ بالقرآن في شهرِ رمضانَ على حسابِ العلاقةِ به في غيرِهِ، بحيث نتواصل مع القرآنِ فيه، وتحل القطيعةُ بعده، فإن ذلك مضرٌّ أولاً، وكاشفٌ عن أن تلاوتَنا للقرآنِ في شهرِ رمضان لم تكن علاقةً سليمةً، ولا موضوعيةً!

فلنروِّض أنفسِنا على أن علاقتَنا بالقرآنِ وهو الكتابُ الذي ﴿.. ‌لَا ‌رَيْبَ ‌فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، وهو الكتابُ العزيزُ الذي ﴿‌لَا ‌يَأْتِيهِ ‌الْبَاطِلُ ‌مِنْ ‌بَيْنِ ‌يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ..﴾ [فصلت: 42] علاقةٌ وُجِدت لتبقى، وأنا لسنا ممن لسانُ حالِهِ إذا ودع الشهرَ أن يقولَ للقرآنِ: موعدُنا معك في شهرِ رمضانَ القادمِ!

ولنجعل أيها الأعزةُ شهرَ رمضانَ بدايةً لمرحلةٍ عمريةٍ جديدةٍ، نطوي فيها صفحةً، ونفتح أخرى، تأخذنا من حالٍ حسنةٍ إلى حالٍ أحسنَ منها، ولنجعل من تلاوتِنا للقرآنِ محطةً تعليميةً، وتربويةً، وتدريبيةً من أجلِ العملِ بما فيه، وقبل ذلك لفقهِ مضامينِهِ، حتى تكونَ فلسفتُنا في الحياةِ قرآنيةً ربانيةً، فنكون ربانيين في دوافعِنا، وفي سلوكِنا، وفي مقاصدِنا، وفي مشاريعِنا، حتى نحبَّ من نحب وما نحب في اللهِ، ونبغض من نبغض وما نبغض في اللهِ، نحرص على رضاه سبحانه، ونتجنب سخطَهُ عزَّ وجلَّ.

ولنكن ممن عناهم اللهُ تعالى بقولِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ ‌حَقَّ ‌تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ..﴾ [البقرة: 121]

جعلنا اللهُ وإياكم من أهلِ القرآنِ، التالين له، والمهتدين بهديِهِ، والعاملين به، ومن العارفين باللهِ، والصالحين من عبادِهِ، ونعوذ باللهِ من الزيغِ عن سبيلِهِ، ونسأله أن نكونَ ممن يستمعون القولَ فيتبعون أحسنَهُ.

***

اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِ محمدٍ.

اللهم كن لوليك الحجةِ بنِ الحسنِ، في هذه الساعةِ، وفي كلِّ ساعةٍ، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً؛ حتى تسكنَهُ أرضَك طوعا، وتمتعَهُ فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلامَ والمسلمين، واخذل الكفارَ والمنافقين.

اللهم مَن أرادنا بسوءٍ فأرده، ومَن كادنا فكِده.

اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وأغنِ فقراءَنا، وأصلِح ما فسَد من أمرِ دينِنا ودنيانا، ولا تُخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا، يا كريمُ.

وصلى اللهُ على سيدِنا ونبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِهِ الطيبين الطاهرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *